أحمد بن محمد القسطلاني
470
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( من الدنيا وأول يوم ) من أيامه ( من الآخرة ) . وفي حديث خرّجه العقيلي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها في مرض موته " ائتيني بسواك رطب فامضغيه ثم ائتيني به أمضعه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهوّن علي عند الموت " . 4452 و 4453 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - : أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهْوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، وَاللَّهِ لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن عقيل ) بضم العين ابن خالد ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف ( أن عائشة ) - رضي الله عنها - ( أخبرته أن أبا بكر - رضي الله عنه - ) لما توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أقبل ) حال كونه راكبًا ( على فرس من مسكنه ) أي مسكن زوجته بنت خارجة وكان عليه الصلاة والسلام أذن له في الذهاب إليها ( بالسنح ) بضم السين المهملة بعدها نون ساكنة وبضمها فحاء مهملة من عوالي المدينة من منازل بني الحارث بن الخزرج ( حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم ) أي قصد ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مغشّى ) بضم الميم وفتح الغين والشين المشددة المعجمتين أي مغطى ( بثوب حبرة ) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة وإضافة ثوب إليه وبتنوين ثوب فحبرة صفة وهو من ثياب اليمن ( فكشف ) الثوب ( عن وجهه ) الشريف ( ثم أكب عليه فقبّله وبكى ثم قال ) : أفديك ( بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين ) قيل : هو على حقيقته وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى ، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره { كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } [ البقرة : 243 ] ، و { كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها } [ البقرة : 259 ] وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها . وقيل : أراد أن لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره إذ يحيا ليسأل ثم يموت وهذا جواب الداودي . وقيل : كنى بالموت الثاني عن الكرب إذ لا يلقى بعد كرب هذا الموت كربًا آخر وأغرب من قال : المراد بالموتة الأخرى موت الشريعة أي لا يجمع الله عليك موتك وموت شريعتك ، ويؤيد هذا القول قول أبي بكر بعد ذلك في خطبته : من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ( أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ) . 4454 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ بُنُ الْخَطَّابِ يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَقَالَ : اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } - إِلَى قَوْلِهِ - { الشَّاكِرِينَ } [ آل عمران : 144 ] وَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَتْلُوهَا ، فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاَهَا ، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلاَيَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلاَهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ . ( قال الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند المذكور ( وحدثني ) بالإفراد ( أبو سلمة ) بن عبد الرحمن ( عن عبد الله بن عباس ) سقط قوله قال : الزهري وقوله عبد الله لأبي ذر ( أن أبا بكر ) الصديق ( خرج ) أي من عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وعمر بن الخطاب يكلم الناس ) يقول لهم : ما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وعند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول : ما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين . قال : وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم ( فقال ) أبو بكر له : ( أجلس يا عمر ، فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه ) ولأبي ذر عن الكشميهني : عليه ( وتركوا عمر فقال أبو بكر : أما بعد من ) ولأبي ذر والأصيلي فمن ( كان منكم يعبد محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) سقطت التصلية لأبي ذر ( فإن محمدًا قد مات ، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت . قال الله تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت } مضت { من قبله الرسل } إلى قوله : ( { الشاكرين } ) [ آل عمران : 144 ] ( وقال ) ابن عباس : ( والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم فما أسمع بشرًّا من الناس إلا يتلوها ) . وعند أحمد من رواية يزيد بن بابنوس بالموحدتين بينهما ألف ثم نون مضمومة فواو ساكنة فمهملة عن عائشة : أن أبا بكر حمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله يقول { إنك ميت وإنهم ميتون } [ الزمر : 3 ] حتى فرغ من الآية ثم تلا : { وما محمد إلا رسول } [ آل عمران : 144 ] الآية . وقال فيه قال عمر : أو إنها في كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله . وزاد ابن عمر عند ابن أبي شيبة : فاستبشر المسلمون وأخذت المنافقين الكآبة قال ابن عمر : فكأنما كانت على وجوهنا أغطية فكشفت . قال الزهري :